يبدأ الحمل بخلية واحدة مجهرية، وخلال نحو أربعين أسبوعاً تتحول إلى جنين كامل التكوين، تتشكل أعضاؤه وتتطور حواسه وتنمو قدراته خطوة بعد خطوة. وفهم مراحل تكون الجنين يساعد الأم على متابعة ما يجري داخل جسمها، ويمنحها طمأنينة أكبر، ويمكّنها من العناية بنفسها وبجنينها في الوقت المناسب. وفي هذا المقال نتتبع هذه الرحلة بدءاً من التبويض والتلقيح وانغراس البويضة، مروراً بالأثلاث الثلاثة للحمل وما يميز كل منها من نمو وتطور، وصولاً إلى الاستعداد للولادة، مع أبرز النصائح التي تدعم صحة الحامل وجنينها في كل مرحلة.
جدول المحتويات
الأسابيع الأولى: من التلقيح إلى انغراس البويضة

تعدّ الأسابيع الأولى من الحمل مرحلة دقيقة تتشكل فيها الأسس الأولى لحياة الجنين، وغالبًا قبل أن تدرك المرأة أنها حامل. وفي هذه المرحلة تبدأ مراحل تكون الجنين بسلسلة من الخطوات المتتابعة، تبدأ بالتبويض ثم التلقيح، وتنتهي بانغراس البويضة المخصبة في جدار الرحم وبدء إفراز هرمون الحمل.
مرحلة التبويض والتلقيح:
تبدأ مراحل تكون الجنين بإنطلاق البويضة من المبيض، وتسمى هذه العملية التبويض، وتحدث عادةً بعد حوالي أسبوعين من اليوم الأول للدورة الشهرية السابقة. بعد ذلك تصل البويضة إلى قناة فالوب، وفي حال حدوث الجماع تنتقل الحيوانات المنوية إلى مكان وجود البويضة لتلقيحها. وبعد أن يتم التلقيح، تنتقل البويضة المخصبة إلى الرحم لتنغرس في جداره.
مرحلة الانغراس في جدار الرحم
تبدأ مرحلة انغراس البويضة المخصبة في جدار الرحم بعد أن تبلغ طور الكيسة الأُريمية Blastocyst، ويحدث ذلك بعد مرور حوالي 5 إلى 6 أيام تقريبًا على التخصيب. وتحتاج البويضة المخصبة إلى مدة تتراوح بين 7 و14 يوماً بعد الجماع حتى تنغرس في جدار الرحم.
هرمون الحملHCG:
عندما تنغرس البويضة المخصبة في جدار الرحم بنجاح، يبدأ جسم المرأة بإنتاج هرمون الحمل hCG. وهو الهرمون الذي تعتمد عليه اختبارات الحمل في الدم أو البول لمعرفة ما إذا كانت المرأة حاملًا. ويعمل هذا الهرمون على منع انفصال بطانة الرحم، ولذلك يتأخر موعد الدورة الشهرية أو ينقطع، وهو من أولى علامات الحمل.
الشهر الأول والثاني: تكوّن الأعضاء الأساسية

يبدأ الشهر الأول من مراحل تكون الجنين بظهور وجه أولي للجنين، مع تجويفين داكنين للعينان، وكما يبدأ الفم والفك السفلي والحلق بالتشكّل. وتبدأ خلايا الدم بالاكتمال والانطلاق في الدورة الدموية، ويتكوّن قلب صغير ينبض بمعدل نحو 65 نبضة في الدقيقة مع نهاية الأسبوع الرابع.
ثم تواصل ملامح الوجه بالتطور في الشهر الثاني، فتظهر الأذنان على شكل تجويفين صغيرين على جانبي الرأس، وتنمو براعم صغيرة تصبح لاحقًا اليدين والرجلين، وتتشكل أصابع اليدين والقدمين وتتضح معالم العينين. ويتكوّن في هذه المرحلة أيضًا الأنبوب العصبي Neural Tube، وهو الذي ينشأ منه الدماغ والحبل الشوكي والأنسجة العصبية التابعة للجهاز العصبي المركزي، كما تبدأ العظام بالحلول محل الغضاريف.
وفي غضون الأسبوع السادس يصبح بالإمكان الكشف عن نبض الجنين، وقد يصل معدله إلى ما بين 110 و120 نبضة في الدقيقة. وفي الأسبوع السابع تبدأ القصبات والشعب الهوائية في الرئتين بالتكوّن، ويبدو الرأس كبيراً بالنسبة إلى بقية الجسم، ثم تنمو القناة الهضمية .
تتطلب هذه المرحلة المبكرة الوقاية من عيوب الأنبوب العصبي، التي قد تحدث قبل اكتشاف الحمل. وتشير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) إلى انخفاض الحالات المتأثرة بها بنحو 26%، ما يؤكد أهمية تناول حمض الفوليك قبل الحمل وخلال مراحله الأولى.
الثلث الثاني: نمو ملامح الجنين وحركته الأولى

تمتد مراحل تكون الجنين في الثلث الثاني من الأسبوع 13 حتى الأسبوع 27، وفيها يتصلّب هيكله وتتضح ملامحه وتتطور حواسه، وتشعر الأم بحركاته لأول مرة. وغالبًا ما تخفّ أعراض الغثيان والإرهاق خلال هذه الفترة.
الأسبوعان 13 و14: تصلّب العظام وتكوّن خلايا الدم الحمراء
يبدأ الهيكل العظمي بالتصلّب، ولا سيما الجمجمة والعظام الطويلة في الذراعين والساقين. ويكون الجلد رقيقًا شفافًا، ثم يزداد تماسكاً وسماكة. وبعد ذلك تتضح الرقبة، وتبدأ خلايا الدم الحمراء بالتكوّن في الطحال، وقد يتبين جنس الجنين.
الأسبوعان 15 و16: نمو العظام وحركة العينين
ينمو الجنين بسرعة وتستمر عظامه في النمو، فتظهر بوضوح في التصوير بالموجات فوق الصوتية، ويتكون اتجاه نمو الشعر على فروة الرأس.و تصبح وضعية الرأس أكثر استقامة، ثم تتحرك العينان ببطء، ويقترب موضع الأذنين من وضعه النهائي، وبعد ذلك يزداد الجلد سماكة. وتصبح حركات الأطراف أكثر تناسقًا، ويكن رؤيتها بوضوح في التصوير.
الأسبوعان 17 و18: أظافر القدمين والسمع
تبدأ أظافر القدمين بالنمو، وتزداد حركة الجنين فيتقلب ويدور، وقد لا تشعرالام بها بعد. ثم تبرز الأذنان على جانبي الرأس، وقد يبدأ الجنين بسماع الأصوات، ثم يبدأ الجهاز الهضمي بالعمل.
الأسبوعان 19 و20: الغطاء الواقي والحركات الاولى
تتباطأ فترة النمو، ويغطى الجلد بطبقة دهنية تسمى الطلاء الدهني (اللخن الجنيني)، وهي تحميه من الخدوش والتشقق والتصلّب الناتج عن ملامسة السائل السلوي. ويبدأ الجنين بإخراج البول، وهو الجزء الأكبر من السائل السلوي. وقد تشعرالأم بأول حركات الجنين. كما ينتظم نومه واستيقاظه، وقد توقظه الأصوات أو تحفّزه حركة الأم.
الأسبوعان 21 و22: مصّ الإصبع وظهور الشعر
يغطى الجسم كله بزغب ناعم يساعد على تثبيت الطلاء الدهني على الجلد، ويتكوّن منعكس المص فيحاول الجنين مص إصبعه. ثم يظهر الحاجبان والشعر. وعند الذكور تبدأ الخصيتان بالنزول إلى كيس الصفن، أما عند الإناث فيستقر الرحم والمبيضان في موضعهما ويتكوّن المهبل.
الأسبوعان 23 و24: بصمات الأصابع وتجعّد الجلد
يحرّك الجنين عينيه حركات سريعة، وتظهر نتوءات في راحتي اليدين وباطني القدمين تشكّل أساس البصمات. وتبدأ الرئتان بإنتاج الفاعل بالسطح الرئوي (السورفاكتانت)، وهو مادة تساعد على انتفاخ الأكياس الهوائية، وتمنع التصاق الرئتين أو انهيارهما عند الزفير. وبعد ذلك يصبح الجلد مجعّدًا شفافًا، ويميل لونه إلى الوردي أو الأحمر بسبب تدفق الدم في الأوعية.
الأسابيع 25 و26 و27: الاستجابة للأصوات واكتمال الحاجبين والرموش
قد يستجيب الجنين بحركات خفيفة لأصوات مألوفة كصوت أمه، ويقضي معظم وقته نائمًا في طور حركة العين السريعة، إذ تتحرك العينان بسرعة والجفنان مغلقان. ثم يكتمل تكوّن الحاجبين والرموش والعينين، وقد لا تنفتح العينان قبل مرور أسبوعين. ومع نهاية الأسبوع 27 ينتهي الثلث الثاني من الحمل، ولا يزال الجهاز العصبي في طور النمو، وتزداد الدهون تحت الجلد فيزداد الجلد نعومة.
الثلث الثالث: اكتمال النمو واستعداد الجنين للولادة

يمثّل الثلث الثالث المرحلة الأخيرة من الحمل، إذ يكتمل فيها نضج الأعضاء، ويزداد وزن الجنين بسرعة، ويتهيأ جسمه للحياة خارج الرحم. وفيما يلي أبرز ما يحدث في كل أسبوعين تقريباً حتى موعد الولادة.
الأسبوعان 28 و29: تفتّح العينين والركل
يفتح الجنين جفنيه جزئيًا، ويصبح جهازه العصبي المركزي قادرًا على التحكم في حرارة جسمه، كما تظهر حركات التنفس في التصوير بالموجات فوق الصوتية. ويبدأ الركل ويمدّد أطرافه بحركات ملحوظة.
الأسبوعان 30 و31: نمو الشعر وزيادة الوزن
يفتح الجنين عينيه على اتساعهما، وتنمو منابت الشعر، وتتكوّن خلايا الدم الحمراء في نخاع العظم. ويكون قد أتمّ معظم مراحل نموه الأساسية، فيزداد وزنه بسرعة.
الأسبوعان 32 و33: تساقط الزغب والاستجابة للضوء
تظهر أظافر القدمين، ويبدأ الزغب الناعم الذي غطّى الجلد بالتساقط تدريجيًا. ثم يتغيّر حجم بؤبؤَي عينيه استجابةً للضوء، وتزداد عظامه صلابة بينما تبقى الجمجمة لينة.
الأسبوعان 34 و35: نمو أظافر اليدين ضيق المساحة
تصل أظافر الجنين إلى أطراف أصابعه، ويشغل معظم المساحة داخل كيس السلى، فتقلّ حركته، لكن تبقى حركات التمدد والتقلّب محسوسة.
الأسبوعان 36 و37: توجّه الرأس إلى الأسفل
يصبح جلد الجنين ناعمًا لزيادة الدهون تحته، وتبدو أطرافه ممتلئة. ويتجه رأس معظم الأجنة إلى الأسفل،و يصبح الجنين قادرًا على الإمساك بالأشياء بإحكام، وقد ينزل رأسه إلى الحوض استعدادًا للولادة، فيدخل مرحلة الولادة المبكرة المكتملة.
الأسابيع 38 و39 و40: اكتمال النمو وبلوغ تاريخ الإنجاب
يتساوى محيط رأس الجنين ومحيط بطنه تقريبًا، مع اختلاف الأحجام من جنين إلى آخر. وتتراكم الدهون في جسمه لتساعده على الاحتفاظ بالدفء بعد الولادة. ويبقى موعد الولادة تقديريًا، فقد يولد الطفل قبله أو بعده، ولمعرفة كيفية تقسيم أسابيع الحمل إلى أشهر، يمكنكِ الاطلاع على دليل حساب الحمل بالأشهر الذي يساعدك على فهم مراحل الحمل ومتابعتها.
كيف تدعمين نمو جنينك بشكل صحي في كل مرحلة؟

تتطلب مراحل تكون الجنين عناية مختلفة في كل ثلث من الحمل، وفيما يلي أبرز ما ينبغي للحامل مراعاته.
الثلث الأول: مرحلة التكوين الحساسة
تحتاج الحامل في هذه المرحلة الحساسة إلى الاهتمام بالأمور الآتية:
- التغذية السليمة: تناول أطعمة غنية بحمض الفوليك للوقاية من عيوب الأنبوب العصبي، مع الحرص على الحديد والكالسيوم.
- الفحوصات المبكرة: مراجعة الطبيب بانتظام لإجراء الفحوصات الأولية والاطمئنان على سلامة الحمل.
- تجنّب المخاطر: الامتناع عن التدخين والكحول والمخدرات، وعدم التعرض للمواد الكيميائية الضارة، وعدم تناول أي دواء دون وصفة طبية.
- التعامل مع الأعراض: قد تعاني الحامل من غثيان الصباح والتعب الشديد وتقلّبات المزاج، ويخفّف ذلك تناول وجبات صغيرة متكررة، والحصول على قسط كافٍ من الراحة، وتجنّب المحفّزات.
الثلث الثاني: إدراك وجود الجنين
تصبح الحامل في هذا الثلث أكثر إدراكاً لوجود جنينها، ومن المهم أن تراعي ما يأتي:
- مواصلة الفحوصات الدورية: متابعة نموّ الجنين والكشف المبكر عن أي مشكلات محتملة.
- مراقبة حركة الجنين: يعدّ الشعور بحركته مؤشراً جيداً على سلامته.
- التغذية المتوازنة: تزداد احتياجات الأم الغذائية مع نمو الجنين، فيلزمها التركيز على البروتينات والفيتامينات والمعادن.
- التكيّف مع التغيّرات الجسدية: قد تعاني الحامل من آلام الظهر وعلامات التمدد وتورم الكاحلين والقدمين، ويخفف ذلك الراحة، وممارسة التمارين الخفيفة، وارتداء أحذية مريحة.
الثلث الثالث: العدّ التنازلي للولادة
تدخل الأم في هذه المرحلة العد التنازلي للولادة، ويجب عليها أن تستعد جيداً لما يأتي:
- فحوصات ما قبل الولادة: تزداد تكراراً لمتابعة صحة الأم والجنين، بما في ذلك فحص وضعية الجنين.
- التعامل مع الانزعاجات: قد تعاني الحامل من ضيق التنفس وحرقة المعدة وتورم الكاحلين والوجه، ويجب إبلاغ الطبيب فوراً عن أي تورم مفاجئ أو شديد لأنه قد يكون علامة على تسمّم الحمل.
- الاستعداد للولادة: يصبح عنق الرحم أرقّ ولين أكثر، أي يقل سمكه، استعدادًا للولادة.
ويبقى الطبيب المرجع الأول لمتابعة نمو جنينكِ ومعرفة ما يحتاجه حملكِ ، خاصةً عند ظهور نزيف أو ألم أو تغيّر في حركة الجنين. فالفحوصات الدورية تطمئنكِ على كل مرحلة من مراحل تكونه، وتتيح لكِ طرح أسئلتكِ والحصول على إرشادات تناسب حالتكِ.
الخاتمة:
تمثل مراحل تكون الجنين رحلة متكاملة تبدأ بلحظة التلقيح وتنتهي باكتمال النمو واستعداد الطفل للولادة . ففي الثلث الأول تتشكل الأعضاء في الثلث الأول، وتتضح الملامح وتبدأ الحركة في الثلث الثاني، ويكتمل النمو في الثلث الثالث. وتحتاج الأم في كل مرحلة إلى تغذية سليمة ومتابعة طبية منتظمة، وإلى تجنّب المخاطر والانتباه. ومع أن الحمل يسير عند معظم النساء بشكل طبيعي، فلكل حمل خصوصيته، لذلك تبقى استشارة الطبيب والالتزام بالفحوصات الدورية الأساس في سلامة الأم والجنين، حتى تنتهي هذه الرحلة بولادة آمنة وطفل سليم.
الاسئلة الشائعة
ما الأطعمة التي يجب أن تتجنبها المرأة الحامل؟
يجب تجنب اللحوم والأسماك والبيض النيئة أو غير المطبوخة جيداً، والحليب ومشتقاته غير المبسترة، وكبد الحيوان بكميات كبيرة، والأسماك المرتفعة بالزئبق كسمك القرش والسيف. كما يُنصح بغسل الخضار والفواكه جيداً للوقاية من التوكسوبلازما والليستيريا.
ما علامات الخطر التي تستدعي الذهاب إلى الطوارئ؟
نزف مهبلي، أو نزول ماء الأمنيوس، أو ألم شديد ومستمر في البطن، أو صداع قوي مع اضطراب في الرؤية، أو حمّى مرتفعة، أو نقص ملحوظ في حركة الجنين بعد أن اعتادت الأم عليها. وفي هذه الحالات لا ينبغي الانتظار لموعد المراجعة.
هل تؤثر تغذية الأم في مراحل تكون الجنين؟
نعم، فالجنين يعتمد على غذاء أمه في كل مرحلة من مراحل تكون الجنين. فنقص حمض الفوليك يرتبط بعيوب الأنبوب العصبي، ونقص الحديد قد يرفع خطر الولادة المبكرة، ونقص اليود قد يؤثر في نمو الدماغ.
هل يمكن الإرضاع الطبيعي مباشرة بعد الولادة؟
نعم، وينصح ببدئه خلال الساعة الأولى بعد الولادة إن سمحت حالة الأم والمولود، لأن اللبأ (السائل الأصفر الأول) غني بالأجسام المضادة ويحمي الرضيع.